Jamia Farooqia - International Islamic University


سالتكامل في شخصية الرسول -صلى الله عليه وسلم-

بقلم: شفيع الله الزابلي

كان محمد -صلى الله عليه وسلم-مثلا نادرا في طفولته وطاهرا في شبابه، زاهدا في حياته، وكان أعدل القضاة في قضائه وأشجع القواد في دفاعه عن الحق وأحسن مثل للمصلحين والمربين اختصه الله بكل خُلُقٍ نبيل وأبعده عن كل وصف ذميم، وأدبّه فأحسن تأديبه، وعلّمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيما، وأمر العالم بطاعته وجُعلت طاعته بعد طاعة الله عزّ وجلّ في آيات كثيرة منها قوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ}[النساء: 80].

عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم في القضاء على عبادة الأصنام:
تتجلى وتظهر عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم في أنه قام وحده يدعو قومه إلى عبادة الله الواحد ونَبْذِ عبادة الأصنام والأوثان، وانتصر هذا الرسول –عليه ألف تحيةٍ وسلامٍ-على مشركي قريش، ونَشَرَ دينَ الله وهو الدين الكامل إلى هذا العالَم المترامي الأطراف، الواسع الأرجاء، الشاسع الأقطار؛ فبلّغ الرسالة وأدّى الأمانة، ورفع راية الإسلام وهو فقير لا يملك سلطاناً ولا يتمتع بجاه الملوك.

محمد -صلى الله عليه وسلم- أعظم المصلحين:
محمد-صلى الله عليه وسلم-أعظم المصلحين للمجتمع، فمبادئ الإصلاح التي نادى بها لم تنفذ في بلاد العرب وحدها، ولكنها نفذت في جميع جهات العالم وأطرافه.

نشر العدل والمساواة:
تظهر عظمة الرسول-صلى الله عليه وسلم- في وقوفه بجانب الحق، ودفاعه عن الوطن، وعطفه على الفقراء والمساكين والمحتاجين ومطالبته بتحرير العبيد، وثبت عن الرسول-صلى الله عليه وسلم-أنه أعتق ما كان عنده من الرقيق في الجاهلية، وأعتق كذلك ما أهدي إليه منهم، وعن علي رضي الله عنه قال: «كَانَ آخِرُ كَلاَمِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: الصَّلاَةَ ، الصَّلاَةَ ، اتَّقُوا اللهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» [رواه أحمد في مسنده].

القضاء على الجهل ونشر العلم:
كان الجهل منتشراً في المجتمع الجاهلي فحاربه الإسلام، ولا غرو أن الإسلام دين العلم والنور والضياء والعرفان، كما قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}[الزمر: 9]، وأيضا قال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}[العلق: 1].

ودعا الرسول -صلى الله عليه وسلم-إلى التعلم العلم وتعليمه وأوجبه فقال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» [رواه البخاري]، وقال: «علّموا أولادكم؛ فإنهم مخلوقون لزمانٍ غير زمانكم»[رواه ابن ماجه].

وخير مثال على أن الرسول -صلى الله عليه وسلم-أطلق سراح الأسرى إذا علّموا بعض المسلمين القراءةَ والكتابةَ.

الرسول-صلى الله عليه وسلم-يُحسِن معاملة الأسرى:
كان الرسول -صلى الله عليه وسلم-يُحسِن معاملة الأسرى ويرأف بهم ودعا إلى إكرامهم والإحسان إليهم، فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-فيما رواه البخاري: « فُكُّوا الْعَانِيَ ـ يَعْنِي الْأَسِيرَ ـ، وَأَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ».

عظمة محمد -صلى الله عليه وسلم-في زهده وقناعته:
كان الرسول ـ عليه ألفُ تحيةٍ وسلامٍ ـ يستطيع أن يعيش عيش الملوك في قصور منيفة واسعة، ولكنه فضّل الزهد والتقوى، فعاش عيش الفقراء كان يكتفي من الطعام بالملح والماء، وخبز الشعير، وينام على الحصير، وكان يفكر في غيره وينسى نفسه، فكان مثلاً عالياً للقناعة والزهد، وكان يرفع ثوبه، ويحلب شاته، ويربط بعيره بنفسه، ومات وقميصه مرهون عند يهودي، وحَرَمَ على أهله أن يرثوه وقال: «لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» [رواه مسلم].

محمد -صلى الله عليه وسلم-في فصاحته وأحاديثه:
كان الرسول -صلى الله عليه وسلم-أديباً أريباً، لسيناً فصيحاً، حكيماً بليغاً رأساً لأهل الفصاحة والرجاحة، يخاطب كل قبيلة بلسانها، فكان أفصح الفصحاء وأذكى الأذكياء، كلامه سهل جميل، فإذا قرأتَ أحاديثه وجدتَ الحكمة فيها وجزالة ألفاظه وغزارة معانيه.

عظمة محمد -صلى الله عليه وسلم-في شجاعته:
كان محمد -صلى الله عليه وسلم- شجاعا في صباه، وشجاعا في تبليغ رسالته سرّاً وجهراً، وطولب مرة ـ وهو صبيٌ ـ أن يحلف باللات والعزى فقال بكل شجاع وصبر وإيمان: لا أنني أكره شيئا مثل كرهي لهما، وصرّح أمام قريش بكرههما ولم يبالِ غضب قريش، وأمثلة شجاعته وبسالته كثيرة مما لا تعدّ ولا تحصى.

عظمة محمد -صلى الله عليه وسلم- في تواضعه:
وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يحب التواضع ويكره الكبر والتكبر يظهر بطبيعته الحقيقية ولا يتكلف ولا يتصنّع ولا يحب التعاظم والتظاهر بالغنى أو القوة أو بالسلطان، فكان متواضعا في ضعف سهلا في غير عنف.

عظمة محمد -صلى الله عليه وسلم-في مكارم أخلاقه:
كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- فائزاً على قمة الأخلاق وذروتها، متحلياً بكل خُلق كريم مبتعداً عن كل وصف ذميمٍ، فهو أعلم الناس وأنصحهم وأفصحهم لساناً، وأقواهم بياناً، وأكثرهم حياءً يُضرب به المثل في الأمانة والصدق والعفاف والتنزح، أدّبه الله فأحسن تأديبه فكان أرجح الناس عقلاً، وأكثرهم أدباً وأوفرهم حلماً، وأكملهم قوةً وشجاعةً، وأصدقهم حديثاً، وأوسعهم شفقةً ورأفةً وأكرمهم نفساً وأعلاهم منزلةً، وبالجملة كل خلق محمود يليق بالإنسان فله -صلى الله عليه وسلم-منها القسط الأكبر والحظّ الأوفر، وكل وصفٍ مذمومٍ فهو أسلم الناس منه وأبعدهم عنه، حتى شهد له بذلك الأعداء الألِدّاء قبل الأصدقاء الأوفياء، وشهد له خالق الأرض والسماء حيث قال محكم تنزيله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].

فأقدّم فيما يلي نبذة من الشهادات التي شهد له بها الموالون له والمعادون الألِدّاء على تمسكه بأخلاقه الحسنة قبل أن يبعثه الله تعالى:
1-شهادة خديجة رضي الله عنها:
لما أوحى الله إلى نبيه ـ عليه ألف تحية وسلام ـ في غار حراء لأول مرة ورجع إلى خديجة رضي الله عنها أخبرها الخبر وقال: «لقد خشيت على نفسي»، فقالت له رضي الله عنها: كلاّ وحاشا ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على النوائب الحق [رواه البخاري].

2-شهادة كفار قريش عند بنائهم الكعبة:
ولما قامت قريش ببناء الكعبة قبل بعثة محمد -صلى الله عليه وسلم-تنازعوا في رفع الحجر الأسود إلى مكانه واتفقوا على تحكيم أول من يدخل عليهم الباب، فكان أول من دخل محمد -صلى الله عليه وسلم-ففرحوا جميعا وقالوا جاء الأمين جاء محمد، وقد كانوا يلقبونه بالأمين لِما يعلمونه من أمانته ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ .

3-شهادة أبي جهل بصدقه -صلى الله عليه وسلم-:
روى الحاكم بسند على شرط الشيخين أن أبا جهل قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: إنا لا نكذّبك لكن نكذّب ما جئت به، فأنزل الله: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33].

ولما قال له الأخنس بن شريق: يا أبا الحكم! أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذبٌ؟ فقال: ويحك! والله! إن محمدا صادق وما كذب محمد قطّ .

4-شهادة أنس رضي الله عنه:
عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-من أحسن الناس خُلقاً، فأرسلني يوماً لحاجة فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب، لما أمرني به النبي -صلى الله عليه وسلم-، فخرجت حتى أمرّ على الصبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله-صلى الله عليه وسلم-قد قبض بقفايَ من ورائي، قال: فنظرتُ إليه وهو يضحك، فقال: «يا أُنيس أذهبت حيث أمرتك»؟ قال: قلت: نعم أنا أذهب يا رسول الله.

قال أنس: والله لقد خدمتُه تسع سنين فما سبّني سبّةً قطّ ولا ضربني ضربةً، ولا انتهرني، ولا عبس فيّ وجهي، ولا أمرني بأمر فتوانيت فيه فعاتبني عليه، فإن عاتبني أحد من أهله قال: «دعوه فلو قُدّر شيء لكان» [رواه أبو نُعيم في دلائل النبوة].

القرآن خُلقه -صلى الله عليه وسلم-:
وعن سعد بن هشام بن عامر قال: أتيت عائشة فقلت: يا أم المؤمنين أخبريني بخُلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-قالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ القرآن قول الله عز و جل: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم} [رواه أحمد في مسنده].

عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المريض ، ويشهد الجنائز ، ويركب الحمار ، ويجيب دعوة العبد. [أخرجه الترمذي في الشمائل].

وقيل لعائشة: ماذا كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته؟ قالت: كان بشرا من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه. [أخرجه الترمذي في الشمائل].

وعن الحسن بن علي رضي الله عنه قال: قال الحسين: سألت أبي عن سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم-في جلسائه، فقال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب ولا فحاش ، ولا عياب ولا مشاح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه راجيه ولا يخيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا لا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام [أخرجه الترمذي في الشمائل].

وماذا بعد؟
لو ظلت الأقلام تكتب وتكتب وأخرجت العقول ما فيها، ما وفتْ هذا الرسول الكريم، سيد الخلق أجمعين حقه، فأكتفي بهذا القدر وإلا فالبحث وسيع النطاق وطويل الذيل، لكن فيما كتبته كفاية للعاقل اللبيب والطالب المجيب، وأخيراً أسأل الله عزّ وجلّ أن يخلّقنا بأخلاق نبيه الأمين، ويوفقنا لاتباعه في جميع الميادين، آمين يا رب العالمين.

English
اردو

الرئيسية
من نحن؟
عن الجامعة
الفاروق
القرآن الكريم
المكتبة
المواقع المنتخبة

This site is developed under the guidance of eminent Ulamaa of Islam. 
Suggestions, comments and queries are welcomed at info@farooqia.com
الرئيسية  |  من نحن؟  |  عن الجامعة  |  الفاروق  |  القرآن الكريم  |  المكتبة  |  المواقع المنتخبة
No Copyright Notice.
All the material appearing on this web site can be freely distributed for non-commercial purposes. However, acknowledgement will be appreciated.