Jamia Farooqia - International Islamic University


اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً

خطبة فضيلة الشيخ المفتي محمد تقي العثماني ـ حفظه الله ـ

نقله إلى العربية ولخّصه: عبد الوهاب بن محمد سلطان الديروي، الطالب بجامعة دارالعلوم كراتشي

بعد الحمد والصلاة:
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا)[الأحزاب:70].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صمت نجا».

كلمة للإمام المربّي التهانوي ـ رحمه الله ـ:
وبعد كل قول نلفظه فإن مردّه إلى أحد الثلاث بالضروة: الأول: قول يعود إلينا بنفع في الدنيا أو الآخرة. والثاني: يعود علينا بضرّ في إحداهما. والثالث: لا إلى هذا، ولا إلى ذلك، وهو من القول فضوله وعبثه، على أنا إن نظرنا بعين المربّي أشرف على التهانوي ـ رحمه الله ـ وهو يُفيض في تفسير النصين أعلاه: إن هذا اللسان الذي نحمله بين اللّحيين ـ يا إخوان ـ نعمة من الله تعالى كبيرة، ومنّة عظيمة، وقد يُفقدنا الشعور بالامتنان بها، أنا اقتنيناه ولا زال بين أحضاننا عفواً، بم تكلّفنا حوزتها جهداً أو مشقّة .... الأمر الذي أمات في الكثيرين الحاسّة الشاكرة أو كاد... وقد يكون من الهيّن أن نقدّر خطورته وأهميّته بما إذا عسى أن يعترض أحداً ـ لاسمح الله ـ عيّ في النطق، أو غصّة في الحلق، فيحبسان عليه اللسان، وبالتالي يعاني منه ذلك الجَهد الكبير ...

قصّة فيها عبرة:
وبالفعل فقد عهدت في إحدى رحلاتي قصة فيها الشيء الكثير من العبرة: لقيت رجلاً، كان في أقصى حلقه أذىً، سلبه صلاحيةَ النطق ـ أعاذنا الله منه ـ فركّبوا له آلة ميكانية في الحلق، كلّما أراد قولاً ضغط زرها فإذا له صوت كالعُواء ـ والعياذ بالله ـ هذه واحدة، وثمّة نعم أخرى لاتُعدّ ولاتُحصى، لا نتفاعل معها بما يجب من أداء شكر وعرفان، لا لشيء إلا أنا يعوزنا الشعور بكونها نعمة ذات بال، وبالتالي نُهدر اعتبارها بالشكر والطاعة.

التقوى دواء كل داء:
وهنا يتساءل المرء كيف يعالج هذه الظاهرة، ويتغلّب عليها في حياته؟ ذلك ما تتناوله الآية أعلاها، ويوجّه إليه إمامُنا التهانوي ـ عليه الرحمة ـ أن تقوى الله تعالى بمعنى الكلمة هي الطريقة الـمُثلى للخلاص من هذا الرذيلة وأشباهما، ولكن يجب قبل أن نعرف معنى التقوى، لقد أخطأت المفاهيم اليوم حقيقتها.

حقيقة التقوى:
ليست التقوى ـ ياعباد الله ـ إلا وخزاً يخالج قلب المؤمن كلّما همّ بأمر أن يعالجه، سواء فيه القول والعمل، كما يفسّره الإمام التهانوي ـ عليه الرحمة ـ ولكأن كائناً مّا يداخله: إلى أين مصيرك؟ أ إلى الحق فتنجو، أم إلى الباطل فتهلك؟!، وهنا يقف هذا الأخير وقفة تأمل، وقفة فيها الخيطة الحذر، وفيها الخوف والرجاء، يقف ليذرع مدى الموقف الذي يريده أن يحارس، ويستفتي نفسه عمّا إذا كان يجلب له ضرّاً أو نفعاً!، ويداوم على ذلك حتى يبلغ به الغاية المنشودة، فيعود عندئذ كالذي يُلهم إلهاما ربانياً في أيما عمل يعمله أو قول يقوله.

حكاية عن الشيخ التهانوي ـ رحمه الله ـ:
وقد حكى لنا والدنا المجيد المفتي محمد شفيع ـ رحمه الله ـ عن شيخه التهانوي ـ رحمه الله ـ قوله (مافي معناه): قد صار من أمري الآن، وكأن صدى من غيب يدخل في روعي كلّ لحظة أو يداً يأخذ بيدي يقول لي: افعل الآن كذا، ولا تفعل كذا.....

التوجّه إلى الله تعالى والدعاء:
كلّنا ـ يا إخوان ـ قلّما يخلو له لحظة عن خيال يشتغل عليه باله، أو فكر يساور ذهنه، أو هوى يصادف قلبه، فهذه الأهواء، وتاك الأفكار، وتلك الأخيلة، مما يجب أن نوجّهها التوجيه الصحيح، وأن نولّي وجهها شطر الخير، لابد للمرء أن يميل بوساوس قلبه، وبهمته وهواه، إلى خشية الله والذكر له، وإلى ما يحبّه ويرضاه، وفي ذلك أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم الدعاء، يجب أن نلتزم مها في كل صغيرة وكبيرة حتى يقضي على الغفلة التي نعيشها: «اللهم اجعل وساوس قلبي خشيتك وذكرك، واجعل همّي وهواي فيما تحب وترضا».

مراقبة النفس:
وعلاوة على الدعاء، فإن للمراقبة ـ مراقبة النفس ـ يد لا تجحد في تكوين النفس، وتخليتها من الرذائل، إنها تصحّح المفاهيم، وتحوّل الوساوس من الشر إلى الخير، ومن الّلامبالاة إلى الشعور بالواجب، ومن الّلامعنيّ إلى الانشغال بما يعني.

ما ذا نعنيى بالمراقبة:
وكل ما يراد من المراقبة أن يأخذ بنفسه ـ بادئ ذي بدء ـ إلى زاوية في حين من أحيانه، حيث يخلو بها، ويُطلّ عليها بما جلّ ودقّ، وبما ظهر وبطن، يستحضر كل ما عمل مِن عملٍ أوقال مِن قولٍ، بكل معاني التحري والدقة، وعندئذ سوف يجد مِن كل أولئك ما هو خير كله، فيثير في نفسه الشكر، أو ما هو شرّ كله فيحمله على الندم، أو ما هو فُضول لا يُمتّ بصلة ما لا إلى هذا ولا إلى ذلك، فيعقد النفس على التوقي منه وما عاش، وهكذا دواليك في سائر شؤونه، وفي هذا المعنى يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «راقب الله تجده تجاهك».

(اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) تفسير لطيف:
وليس في كل شيء عسر إذا صدق الطلب، وخلصت الإنابة إليه سبحانه وتعالى، قال الله تعالى: (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) [الشورى:13]، وقد بلغَنا في تفسير هذه الآية عن إمامنا التهانوي ـ رحمه الله ـ أن ضمير "يَشَاءُ" كما أنه رجع إلى الله تعالى ما هو معروف، فإنه يحتمل ـ ولا يبعد ـ الرجوع إلى مدلول "مَنْ" أي: العبد، فيكون فيه دلالة على مكانة الطلب المخلَص والرغبة الصادقة عند الله تعالى.

الذيل الذيل ياعباد الله! وقد حكى لنا شيخنا الرباني الدكتور عبد الحي العارفي ـ رحمه الله ـ فيما حكى ـ عن التهانوي ـ رحمه الله ـ ما في معناه: إن رحمة الله تعالى رهن طلبكم، أن تمدّوأ إلى حضرة الخق أذيالكم، لتنهال عليكم، فالذيل الذيل ثم أنشد في هذا المعنى شيخنا العارفي:

ترجمة البيت:
إن كنت أنت من لايعرف الأداء إليه
فذلك داء فيك أما هو ـ الله تعالى ـ
فإن له عطاءً لا ينفد، وباباً لا يُغلق
وكان في مجلس الإمام التهانوي أحد خلفائه الأجلاء، يُعرف بـ "المجذوب" وكان منبسطاً مع الإمام، فبادر قائلاً: وما ذا يصنع إذا أعوزه حتى الذيل..؟! أجاب عفو الساعة: فإياها يسئل ولا ضير، فالإنابة إلى الله والاستسلام له في كل قليلاً وكثيراً، مما يصل العبد بربه تعالى، وقد أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم دعاء جميل في هذا الصدد: «اللهم إني أسألك خير المسألة وخير الدعاء وخير الإجابة».

على أي حال ـ يا إخوان ـ فمن وضع نصب عينه ما أسبغ عليه ربّه الكريم من نعم ظاهرة وباطنة، فراقبها، حمله على الطاعة، وأشعره من أهميّة الوقت وخطورته في حياته العزيزة، وبالتالي أخذ من ضياعه سُدى، وفيما لا يُمتّ إلى الخير بقلة، من قول أو عمل ووقى بنفسه عن مواضع العبث.

مشكلة المسلمين اليوم:
ولكن مشكلتنا اليوم ـ لكل ـ أن شغلنا الفضول في القول عن خير كثير، وقد قتل منا الساعات الذهبية حتى قلب ذهبها طيناً وتراباً. فإلى الله المشتكى.

انشغال المسلمين بفضول القول:
وقد رأيت ـ على مداء الأيام الماضية ـ وأنا في جنوب أفريقيا مظاهر من ذلك، قد تُوفّي لديهم بطل حرّيتهم "نيلسن منديلا" فعاد حديث كل نادٍ، وحتى صاروا يقولون: أ إلى الجنة أم إلى النار؟ قلت: هداكم الله! مالك في ذكره ولستم عنه مسؤولون، إنه ذهب ليلقى ما قدّمت يداه، فلا عليكم إلا بأنفسكم، تنظره ما قدمتم لأنفسكم، واتقوا الله إنه خبير بما تعملون.

قصة رجل مع والدي الماجد:
وذكّرني هذا قصة رجل، جاء إلى والدي ليسأله: ماذا يستحقه يزيد من دار، الجنة أم النار؟ فأفاد والدي المجيد ـ يرحمه الله تعالى ـ مالي وليزيد! إن الذي أعرفه أني مسؤول عن نفسي وحسب.

هذا الشعور ـ ياعباد الله ـ وهذا الاستحضار للآخرة مما يسلّط الرقابة على النفس، فتحذر أن تقترف شيئاً لا يرتضيه ربّها، وهنالك تكون النفس قد قطعت شوطها، وانتهت من الجهد غايتها ـ إن شاء الله ـ وفقنا الله تعالى وإياكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

English
اردو

الرئيسية
من نحن؟
عن الجامعة
الفاروق
القرآن الكريم
المكتبة
المواقع المنتخبة

This site is developed under the guidance of eminent Ulamaa of Islam. 
Suggestions, comments and queries are welcomed at info@farooqia.com
الرئيسية  |  من نحن؟  |  عن الجامعة  |  الفاروق  |  القرآن الكريم  |  المكتبة  |  المواقع المنتخبة
No Copyright Notice.
All the material appearing on this web site can be freely distributed for non-commercial purposes. However, acknowledgement will be appreciated.