Jamia Farooqia - International Islamic University


آثار الجمود الفكري على الفكر الإسلامي

بنت عبدالمحسن

للجمود الفكري آثار خطيرة تزعزع كيان أية أمة، لكننا سنقتصر هنا ـ لضيق المجال ـ على أهم هذه الآثار، والتي طغت على ما سواها، وظهرت واضحة جليّة في واقع المسلمين المعاصر، وبخاصة على الصحوة الإسلامية التي كانت الأمل المنشود، مما بات يهددها بالخطر.

الأثر الأول الغلو والتطرف:
الغلو: هو مجاوزة الحد في الأقوال، والأفعال، والاعتقادات، والأعمال، لذا، فإن الغلو والتطرّف في كل شيء مذموم شرعاً وعقلاً، وهو في الدين أشد؛ ذلك أنه من العلل المفزِعة التي تعمل على تشويه صورة الدين في أعين العامة، وتدفعهم للابتعاد عنه وكراهية الداعين إليه، وتشجيع أعدائه على النيل منه؛ فهو صورة سلبية خطيرة، وعلامة على السقوط في علل التدين، التي سقطت بها الأمم السابقة؛ فكانت السبب في هلاكها، قال تعالى (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ). [المائدة،77].

ولأضراره الكبيرة، ومفاسده الكثيرة، وأنه سبب في الهلاك فقد رفضه الشرع، ونهى عنه، قال صلى الله عليه وسلم: «إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من قبلكم بالغلو في الدين» [سنن ابن ماجة].

فالغلو ينحرف بالدين عن وجهته الصحيحة، ويحمله ما ليس منه، ومن ثم يفقده أهم خصائصه ومميزاته، ألا وهي: التوازن، الوسطية، والاعتدال.

مظاهر الغلو والتطرف، وأسبابها:
للغلو والتطرّف مظاهر كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

الأول: التعصب للرأي:
وهو التعصّب الذي لا يعترف بوجود الرأي الآخر، ولا يقبل المناقشة ولا الحوار؛ لأن كل رأي فيما عدا رأيه هو رأي خاطئ؛ فرأيه صواب لا يحتمل الخطأ، ورأي غيره خطأ لا يحتمل الصواب، وهو وحده على الحق، ومن عداه على ضلال، وصاحب هذا الاتجاه يجيز لنفسه ما يحرمه على غيره.

ويصل به تعصبه إلى الجمود على فهمه وإن كان قاصراً لا يعطي رؤية واضحة للمصالح، ومقاصد الشرع، وظروف العصر، وموازنة ما عنده بما عند الآخرين، من خلال الحوار البناء، الذي ينتهي إلى الوصول للبرهان الأوضح، والرأي الأرجح، والحجة الأقوى.

أسباب التعصب للرأي:
1 ـ ضعف البصيرة بحقيقة الدين، وقلة البضاعة في الفقه، وضيق الأفق في التفكير، وخفة الموازين في العلم.. مما يجعل المتعصب يعتقد أنه حاز العلم بمقوماته كلها، حتى صار يظن نفسه من كبار العلماء العالمين، وهو لا يملك إلا شذرات متناثرة لا تسمن ولا تغني من جوع.

2 ـ عدم تلقي العلم من مظانه على يد شيوخه وأهله من العلماء المختصين، وإنما أخذ من كتاب، أو شريط، دون مراجعة، أو مناقشة، أو أخذٍ وردٍ، لكنه قرأ شيئاً أو سمعه ثم استنبط منه، وقد يكون أساء الفهم، أو أساء الاستنباط، دون أن يدري، ودون أن يملك المقومات التي تجعله يدري.

فالعلوم الشرعية وفقهها لا تؤخذ مباشرة دون استيفاء شروط أخذها؛ فهي بحر زاخر لا يستطيع أن يخوضه الإنسان وحده، دون مرشد يأخذ بيده، ويدله على الطريق، فيفسر له الغامض، ويرد الفروع إلى أصولها، والنظائر إلى أشباهها.. وهكذا.

3 ـ قلة الخِبرة بواقع الحياة، والعلم بالتاريخ، وسنن الله في خلقه، فتفهم الوقائع على غير حقيقتها، وتفسر وفق أوهام وخيالات لا أساس لها.

4 ـ الجهل بمراتب الأحكام الشرعية، وأنها ليست في درجة واحدة من حيث الثبوت، ومن ثم فالاختلاف فيها جائز، ولا خطر منه ولا ضرر فيه، إذا كان مبنياً على اجتهاد صحيح، مستوفياً لشروط الاجتهاد، بل هو رحمة للأمة، وإن ساحة ما يجوز الاختلاف فيه أوسع من ساحة مالا يجوز الاختلاف فيه.

والاختلاف في الفروع أمر لا يمكن إنكاره، وهذا لحكمة اقتضاها الباري جل شأنه، وإلا لجعل الأحكام قطعية الثبوت والدلالة كلها، وقد اختلف الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في كثير من المسائل الفرعية، والأحكام العملية، فلم يعِب بعضهم على بعض؛ بل واختلفوا في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فأَقَرَّ اختلافَهم، ولم يوجّه اللوم لأحد منهم، وذلك في حرب بني قريظة حين قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا يصلينّ أحدٌ العصرَ إلا في بني قريظة»، فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحداً منهم.

فالمتعصّب لرأيه قد نسي أن رأيه ليس أكثر من رأي يحتمل الخطأ، كما يحتمل الصواب، وأن لا عصمة لبشر، وإن جمع شروط العلم والاجتهاد كلها، ولم يكن عدم وضوح الحق هو السبب في رفض الرأي الآخر لكنه الاستعلاء والكبر والتعصب الذي لا مسوغ له.

English
اردو

الرئيسية
من نحن؟
عن الجامعة
الفاروق
القرآن الكريم
المكتبة
المواقع المنتخبة

This site is developed under the guidance of eminent Ulamaa of Islam. 
Suggestions, comments and queries are welcomed at info@farooqia.com
الرئيسية  |  من نحن؟  |  عن الجامعة  |  الفاروق  |  القرآن الكريم  |  المكتبة  |  المواقع المنتخبة
No Copyright Notice.
All the material appearing on this web site can be freely distributed for non-commercial purposes. However, acknowledgement will be appreciated.