Jamia Farooqia - International Islamic University


.... رسالة مفتوحة
إلى مشيخة الحرم الشريف ومعالي الوزراء والمسؤولين للممكلة العربية السعودية

بقلم: المفتي محمد إسماعيل طُورو
رئيس دارالإفتاء بالجامعة البنورية للتعليمات النبوية
بـ "راولبندي"

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فالملتمس من سماحتكم مع معظم الحجاج الوافدين لزيارة البيت من شتى بلاد جنوب آسيا إننا والحمد لله من أهل السنة الجماعة عقيدة والأحناف مذهباً، نتوجّه سماحتكم إلى بعض ما أفسده العصر علينا من باب الشريعة الغراء وفقكم الله تعالى وإيانا لمعالجته ولسد باب الفتن.

ونحن إذن بمثابة قوله تعالى: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) [هود:88]، فالكلمة الموجزة أن الحرم الشريف مركز الإسلام ومأوى الخواص والعوام من المسلمين الوافدين من جميع أنحاء العالم، وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحداث الخلاف بين المسلمين وتفريق كلمتهم ودعا عليهم، وخاصة إذا كان تفريق من باب ترك السنة إلى السنة، فالدين المتين مع وحدة العقيدة الحقة بين المسلمين مختلف بالنسبة إلى الأحكام الفرعية حلالاً وحراماً، صحةً وفساداً في مجال الاجتهاد على حسب اختلاف الصحابة في فهم الدلائل وإثبات السنن وتوجيه مختلف الحديث كما أوضحه الحافظ ابن تيمية بأوضح البيان في قوله صلى الله عليه وسلم: «لايصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة» راجع لكلامه وفيه كفاية لطالب الحق ونجاة عن زيغ المفسدين، فإنه جعل اختلاف مذاهب الأئمة المتبوعين راجعاً إلى التدين الواجب لله تعالى، بناء على أن مستند اختلافهم هو الدلائل من الكتاب والسنة، وإنما الاختلاف في أوجه التشريع، بخلاف اختلاف أهل الأهواء الزائغين الخارجين عن مسلك أهل السنة والجماعة.

فهناك من يرى نجاسة الماء بولوغ الكلب بدلالة قوله عليه الصلاة والسلام: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ في الكلب» فالتدين بالتحرز عن استعماله وجوباً هو مذهب الحنفية والشافعية، ومنهم من يرى أن حكم غسل الأواني لدفع المضرة والفساد فانعكس التفريع عنده، لكن لالوم في شيء من الاجتهاد.

ومن هنا قيل بحقية المذاهب الأربعة جملة مع اختلافها في بعض الأحكام الفرعية فخطاب الشرع يجب العمل به قطعاً فيما علم قطعاً وظناً فيما علم ظناً، ومستند الخلاف لكلا الفريقين مبسوط في كتبهم فلكل وجهة هو موليها.

وبعد ذلك فالملتمس إن الحرم الشريف قال الله تعالى فيه: (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَاد) [الحج:25]، فالعمل على ذلك عند خيار عباده الصالحين إنهم يدينون الله تعالى بذلك الوجه في البلد الأمين، فمنهم من يرفع يديه عند التحريمة، منهم من لايرفع من غير نزاع، ومثله رفع اليدين في الصلاة عند الركوع والسجود، ومنهم من يجهر بـ "آمين"، ومنهم من يخفض بلا جدال، ومنهم من يرسل يديه في القيام، ومنهم من يضع يمينه على شماله فوق السرة أو تحتها، ومنهم من يصلى ركعتين عند أذان المغرب كما أنه لاجدال في الحج مع وجود الاختلافات الشديدة فيما بينهم ببلدانهم، هذا هو أمر العوام من حاضري المسجد الحرام، وذلك هو حق المقام ومقتضى حسن الانتظام.

لكن أسفاً على دور بعض الواعظين من غير المقلدين في الحرم الشريف باللغة الأردية حيث يحاسبون على الحنفية كأنهم قاموا للحرب والخصام، وذلك بذكر الخلافيات داعين إلى مسلكهم ببيان بعض الأخبار المروية حسب مسلكهم من غير نظر إلى حسنها وضعفها، مع قطع النظر عما يخالفها في هذا الباب كأنهم لم يروا في الباب إلا حديث مسلكهم فيطعنون عليهم بمخالفة السنة .. وهذا هو ترك حق المقام في المسجد الحرام من الاحتراز عن الخلافيات والاقتصار على الاتفاقيات لأن المستمعين في الحرم الشريف منهم الذين لاعلم لهم بمسائل الحج والصلاة البسيطة، فضلاً عن خلافياتها إلا ما استمعوه من علمائهم، فبموعظة هؤلاء يشتبه عليهم الأمر، وذلك لأنهم من نظرائهم فيعتمدون عليهم في مناسك الحج ومسائل الصلاة فيقعون في الجنايات والمكروهات فيندمون ويتأسفون على مافعلوا متابعة لهؤلاء بعدما يرجعون إلى علماء مذهبهم ويعرفون حالهم بمخالفة مذهبهم، وذلك لأن الظاهر أنهم لم يقصدوا ترك مذهبهم حينما أرادوا سفر الحج، فهم على عقيدتهم ومذهبهم كما كانوا، ومن هنا وقعوا في الندامة وأداء دم الجنايات، وهذا أوضح دليل على أنهم لم يختاروا مذهب هؤلاء الواعظين بالرجوع عن مذهبهم، وإنما وقعوا في الفتنة خبطاً منهم لعدم معرفتهم بحال هؤلاء الواعظين المخالفين لهم حيث إن لهم مختارات في المسائل غير مختارات إمامنا، ثم إن هذا الجهل منهم لما كان بعد استقرار الشريعة فلايعذرون به، وبالتالي فلاينفعهم الندامة في رفع الجنايات.

تخديع منهم للعوام بالتمويه والتدليس عليهم:
والمستمعون لمواعظهم في الحرم منهم الخواص أصحاب العلم وهم مع علمهم بحقيقة الحال يسلكون مسلكهم سكوتاً وإغماضاً عن رد مقالاتهم الواهية الظاهرة الفساد، فيعودون إلى بلادهم بالحوقلة قائلين: إنا لله وإنا إليه راجعون.

ومن ناحية أخرى فإن رفع الاشتباه عن عامة الناس من أهم الواجبات حفاظاً على مناسك الحج عن الجنايات، فيقوم بعض الإخوة المخلصين بالإجابة عن شبهاتهم طلباً للخير والبركة ونصحاً للمسلمين، إذ الحج المبرور هو ما كان سليماً عن الجنايات ولكن رغم ذلك يؤاخذ عليه هؤلاء الخطباء ويلومونه، فلا يسمحون له بذلك كما قيل: "أصمّ عن الشيء الذي لاأريده"، ولاينتهون إلى هذا الحد بل يرافعون القضية إلى المسؤولين وإلى رئيس المسجد الحرام: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) [النور:25]، ومن المعلوم أن البادئ أظلم وهم بدءوا بفتح باب الفتنة بذكر المسائل الخلافية في الحرم الشريف مع النقد والقدح على الحنفية.

ثم الاختلاف منه ما هو متحمل وهو اختلاف الأفضلية بين الفريقين، كالجهر بـ "آمين" وإخفائه، ونحوُه الترجيع في الأذان، وإفراد الإقامة وكونها مرتين، ومثله التورك في القعدة، والجلسة الخفيفة على ركعة أو القيام مباشرة، ومع جواز كلا الوجهين عن الفريقين لاينبغي أن يتعرض لإثباته أو نفيه في الحرم الشريف في حلقات المواعظ العامة؛ لأنه يؤدّي إلى النزاع والتفريق بين المسلمين كما أن هناك كفاية في بيان المتفق عليها من المسائل كما هو دأب السلف من أصحاب الدعوة، حيث إن المقام مقام الوحدة فلابد أن يكون المقال كذلك، نعم لو أريد تحقيق الحق بالمناقشة فللمقال مجال وأرض واسعة غير المسجد الحرام، فإن القادمين للحج في تلك الأيام مشغولون بأداء مناسك الحج، فالواجب السكوت عن تلك المسائل المختلف فيها نظراً للظروف والأحوال، لكن هؤلاء لايبالون حرمة الحرم الشريف وعظمته، فقد سمعنا من بعضهم قائلاً في حلقة الوعظ بعد الفجر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على شقه الأيمن» وهؤلاء الحنفية تاركون لهذه السنة، والحديث بهذا اللفظ وإن صحّحه ابن حزم وقال الترمذي: حسن صحيح غريب؛ لكن الحق ما قاله ابن القيم في زاد المعاد:"سمعت ابن تيمية يقول: هذا باطل؛ إنما الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم الفعل لا الأمر به، والأمر تفرد به عبدالواحد بن زياد وغلط فيه، وغاية ما قيل فيه: إنه من رواة الحسان ويعارضه أن الفعل أيضاً لم يثبت على سبيل المواظبة؛ لما روى البخاري في صحيحه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان إذا صلى ركعتي الفجر فإن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع حتى يؤذن للصلاة". وحاصله أنه إنما كان يضطجع إذا لم تكن مستيقظة وإلا حدثها ولم يضطجع، وهو عندنا من السنن الزوائد يثاب فاعله ولايلام على تركه، كما أن فعله هذا كان على وجه الاستراحة بعد صلاة الليل في بيته بينما جعله الشافعية من سنن الصلاة، ولايسع المحل لمزيد من المناقشة، وإنما المقصود أن هؤلاء الخطباء ممن يدعي العمل بالحديث تجاوزوا في هذا المقام عن حدهم بذكر ما اختلف فيه أهل الحق من باب إتيان الفعل وتركه، كيف ومن سمح لهم بالرد والقدح على أصحاب المذاهب المتبَعة شرقاً وغرباً، وإنما المسموح لهم ما فيه صلاح المسلمين دون ما فيه التفريق والشقاق، وبعد ذلك اقتحامهم وتجاسرهم بذكر ما فيه اختلاف الحل والحرمة مما لايتحمل لاشتماله على المضرة الشديدة في أداء المناسك فعلاً وتركاً، وهذا أشد فساداً من القسم الأول، لأنه يؤدي إلى الجنايات في الحج، وإتيان المكروهات في الصلاة وغير ذلك من المحذورات على ما اختاره الأئمة الحنفية فتجب الدماء والصدقات حسب الجنايات على عامة المستمعين لمواعظهم جهلاً بحال هؤلاء المخالفين لمذهبهم ولوعلموا بشأنهم لما وقعوا في الاغترار كما في بلادهم، وهؤلاء يحوّلون وجوه الناس إلى مختاراتهم بذكر بعض الأخبار المروية وفقاً لمسلكهم مثلا: يابني عبد مناف لاتمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أيّة ساعة شاء، ويذكر: "إلا بمكة" مستثنياً عما جاء من النهي في الأوقات الثلاثة فيصرخون بها ليلاً ونهاراً ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ومثله جواز أداء تحية الطواف بعد العصر والفجر في الحرم تمسكا بما تقدم.

ومن المعلوم أن ظن الرجل لايلزم غيره، بل إنما التكليف بالظن عند عدم دليل قاطع، وهؤلاء المستمعون لمواعظهم باللغة الأردية كلهم على مذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه طول حياتهم قبل إتيانهم إلى الحجاز كما هم بعد المغادرة إلى بلادهم، فهم على حالهم بمكة يعتقدون صحة ما التزموه من قبل ولم يرجعوا عنه لدليل اتضح لهم، وإنما اغتروا بأقوال هؤلاء جهلاً بشأنهم وزعماً منهم أن ذلك هو حق المقام وذلك هو العلم مع أن ما استمعوه منهم إنما هو رأيهم مخالفاً لما اعتقدوه إجمالاً من صحة مذهبهم فيقعون في الجنايات بكل ما استمعوه من أخبارهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سئل عن أفعال يوم النحر الرمي والذبح والحلق بالتقديم والتأخير: «افعل ولاحرج» فلا حرج في الثلاثة بالتقديم والتأخير مع أن المحقَّق عند الحنفية وجوب الترتيب بين الثلاثة ولزوم الدم عند خلافه.

ولايعتبر ذلك رجوعاً منهم إلى مذهب الواعظين بناءً على أن تبدل الظن بالظن جائز، قلت: حاشا وكلا! إنما ذلك لعدم علمهم بمذهبهم بدلائله، لأنهم علموا منهم دلائل غير أدلة إمامهم وزعموها قوية مقابل أدلة إمامهم، فعند ذلك رجعوا كما في رجوع العلماء عن بعض مسائل الإمام، بل هذا اغتروا منهم لجهلهم، ولذلك يريقون الدماء الواجبة حينما يقفون على مذهبهم نادمين على فعلهم، وهذه البلية عم وقوعها، لأن معظم موعظة هؤلاء الخطباء في الحرم من هذا القبيل كقولهم بعدم وجوب الوقوف بالمزدلفة بعد الفجر إلى ما قبيل طلوع الفجر، مع أن هذا من الواجبات عندنا يجب الدم بتركه، وكذلك قولهم بجواز الرمي قبل الفجر خلافاً لمذهب الحنفية مستدلين ببعض الآثار، ولايجوز ذلك عندنا للدلائل الثابتة مع وجود الأعذار عن مروياتهم، وهذا كله مذكور في الفقه فلنا أعمالنا ولكم أعمالكم.

المقصد: فعند ذلك يلزم مرافعة القضية شكاية عن سوء صنيعهم ضد الأحناف بإفساد حجهم وصلاتهم، فمسؤولية أرباب الحل والعقد رئيس الشؤون الدينية ومشيخة الحرم الأئمة الكرام وغيرهم من العظماء، النظر بعين اللطف والاحتساب إلى سد أبواب هذه الفتنة الكثيرة الفساد بذكر الخلافيات ...... كيف ومذهب الحنفية هو مسلك أهل السنة والجماعة أصولاً وفروعاً! فما بال هؤلاء عن التخاطب في الحرم على هذا الوجه؟ كيف ومعظم المخاطبين هنا من جنوب ووسط آسيا على مذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه، وخطاب هؤلاء خطباء في تلك الفروع كخطاب الشافعية بالمسائل المختلف فيها حسب مذهبهم، وذلك خلاف المصلحة فكذلك خطاب هؤلاء المعاندين بل فسادهم أكثر من الكل، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، وهذا القدر وإن كان كفانا في إيضاح المقصد وإبلاغه إلى أولي الأمر أهل الفضل سادات الحرم؛ لكن رأينا في الإعادة بعض الإفادة كما عقد الإمام البخاري في صحيحه بابا على ذلك قائلاً: "باب إذا تكرر الكلام ليفهم عنه تنبيهاً على أن التكرار يؤكد الإفادة ويقرره في الأذهان".

فنقول: إن حكم بعض الجزئيات متفق عليه ومعروف عندالخاصة والعامة من الحنفية بلاريب كنقض الوضوء بخروج الدم من خارج البدن كالجرح والرعاف، وكون الطلقات الثلاث موجبا للحرمة المغلظة، ونجاسة الماء بوقوع الفأرة إذا انتفخ أو تفسّخ خلافاً لمعتقد هؤلاء الخطباء من أهل الظاهر، فمثل هذه الخلافيات لاينبغي أن يتعرض لها في الحرم إثباتاً أو نفياً لما تقدّم ......... لكن لو تعرض لها أحد مُبيّناً جميع المذاهب بدلائلها بحيث لم يتضرر به العامة ولم يغتروا بذلك لكون ذلك مخالفاً لما عندهم من العلم؛ فلا يشتبه أمر الدين عليهم، فلايقعون في الريب فضلاً عن الرجوع إلى طريق الخصم.

أما مسائل الحرم وما يختص به فالعامة عنها غافلون لم يسمعوا بها في بلادهم كبقية مسائل الحج، فكل ما استمعوه في الحرم يعتقدون أن هذا هو الحق، ولايعرفون أن مسائل الحرم أيضاً مما اختلف فيها، فعندنا (الحنفية) لايجوز أداء النافلة في الأوقات الثلاثة المكروهة في الحرم بل بعدالعصر والفجر أيضاً بالدلائل المحققة المعروفة على ما مر، والمخالفون يستندون في ذلك بالآثار المروية بالاستثناء وقد مر بيانها. ومن هنا يقع العوام في الاغترار عند استماعهم في الحرم إلى هؤلاء الواعظين مع إخفائهم أنهم من جملة غير المقلدين، ولوصرحوا بذلك لايقع الضرر والضرار.

اختلاف غير المقلدين لمشايخ الحرم الشريف:
ثم إن هؤلاء الخطباء ممن يدعي العمل بالحديث يخالفون أصحاب مشيخة الحرم الشريف في معظم المسائل، مثل اختلافهم مع الحنفية إلا أنهم لايتكلمون في شأنهم بشيء رغبة أو رهبة، وهذه المصلحة سد عليهم تبليغ السنة إليهم، فاختاروا مسلك التقية معهم، وذلك أنهم في بلادهم من باكستان وغيرها يعملون بالترجيع في الأذان، والجهر بالتسمية في الجهرية، والجلسة على الركعة الأولى والثالثة في الصلاة، وقراءة الفاتحة جهراً في الجنازة، ويؤذنون أذاناً واحداً في الجمعة، واختاروا ثماني ركعات في تراويح رمضان خلافاً لعمل مشايخ الحرم فهي عندهم عشرون ركعة.

وقال الإمام الشافعي رحمه الله: وجدت عمل أهل الحرمين كذلك ـ كما في الترمذي ـ ، وهو مذهب الحنفية الكرام لِروايةٍ رواها الإمام مالك في الموطأ وبنى عليه مذهبه لِما رأى من تواتر العمل عليه في خلافة عمر، وقال البيهقي توفيقاً بين الروايتين: إن العمل على ثماني ركعات كان من قبل ثم صار عشرين واستقرّ عليه عمل العامة والخاصة. وليس هذا محل بحثنا وإنما المقصود دفع ما نسبوه إلى الحنفية بقولهم: إن أصحاب العشرين من المبتدعين التاركين للسنة، وإنما السنة الثمانية.

ويظنون أن التقليد شرك، فإن كان التقليد الشخصي شركاً ـ كما زعم هؤلاء الواعظون ـ فهل القوّاد المحافظون للإسلام والمقاتلون مع الصليبيين من الغزنوي والغوري والسوري والسلطان تيبو والأبدالي وألتمش والسلطان صلاح الدين الأيوبي (فاتح فلسطين) والسلطان محمد الفاتح والسلطان عبد الحميد.. كانوا مشركين مع أنهم كانوا مقلدين؟؟ وكذلك الطالبان العازمون للقضاء على أمريكا، والمجاهدون في الشيشان المخالفون للروسيا هُم أيضاً مشركون؟

وحال هؤلاء المنكرين للتقليد عدداً وسياسةً واعتماداً العامة عليهم أنهم لم يستطيعوا أن يحصلوا على مقعد واحد في انتخابات بارليمان في باكستان حاليا..... فأقول: هؤلاء الخطباء المدعون العمل بالحديث كيف لايبلغون إلى أهل الحرمين ما عندهم من السنن في ذلك وهم يناظرون ويتخاصمون مع الحنفية في باكستان والهند وبنغله ديش؟! فإن كان سكوتهم هذا مصلحة لحرمة المقام فهلا تركوها مقابل الحنفية.

صنيع هؤلاء الوعظين في حق الشيعة:
ثم نسأل: أليست الشيعة خارجة عن أهل السنة والجماعة؟ ومع ذلك حينما يقدمون للحج يسلكون مسلكهم في مناسك الحج وأداء فريضة الصلاة خلافاً للمذاهب الأربعة بل خلافاً لطريق هؤلاء الواعظين المبلغين للسنة إلى الحنفية، لكن لا ينكر أحد في الحرم على الروافض ولايحتج بعض على بعض ولا هؤلاء لو بكلمة، أليسوا بأكثر ضلالاً من الحنفية وأكبر عندهم؟ كيف! وهم في البعد عن السنة أبعد من الحنفية.

رد ما ينتسبونه إلينا:
أما ما ينتسبه إلينا هؤلاء الواعظون من عقائد الجاهلية الأولى وأعمالهم الفاسدة فإنما هي لطائفة قليلة من الجهلة الضللة، والذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله حيث أشغلهم بذكر غيره كما ينادون بـ: "يا عبد القادر جيلاني شيئاً لله" من بعيد ......... وهذا شرك عندنا ونحن نتبرأ منهم ومما يعملون من السجود لقبور الصالحين، والاستغاثة من الموتى، والنذر لغير الله، والمس والتقبيل لمقام إبراهيم والكعبة وأستارها، ومس العمود والجدران والشبابيك حول قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ونعوذ بالله من تلك الضلالات، وهم في ذلك يسمون أنفسهم حنفية ترويجاً لأباطيلهم كالزمخشري وأمثاله فهو من المعتزلة حقاً مع النسبة إلى الحنفية مذهباً (راجع لمزيد من التفصيل، الملل والنحل لشهرستاني). ومن لم يميز القشر من اللباب فهو من أجهل الجاهلين، كيف وبيننا وبينهم (القبوريين) مخاصمات ومناظرات شهيرة لاتخفى إلا على من كان فاقد الوعي محروم القسمة، فنسبة تلك الجهالات إلى الحنفية مطلقاً من أسوء الكذب وأقبح الأعمال، كيف؟ وقائدهم أفسد من المعتزلة، فكيف يمكن الاتحاد بيننا؟ والله على ما نقول وكيل.

ومن غُلاتهم من لايصلي في الحرمين خلف أئمة الهدى أهل التقوى، وإنما يصلون هنا في منازلهم محرومين عن بركات الحرم ومضاعفة الأجر، وكيف وقد صنّف علماؤنا أمثال الشيخ خليل أحمد السهارنفوري، والشيخ حسين أحمد المدني، والشيخ سرفراز خان صفدر، والشيخ اللدهيانوي، والشيخ المفتي رشيد أحمد اللدهيانوي، كُتباً (بالأردية) كـ: "راه سنت"، و"أنوارساطعة"، و"اختلاف أمت اورصراط مستقيم"، و "أحسن الفتاوى" في ردّهم.

أما أهل الحق من الحنفية فعندهم الصلاة خلف شيوخ الحرمين في بقعة هي خير بقاع الأرض من أعظم القربات وأجلّ ما يتقرب به إلى الله تعالى، ولعلها هي الغاية من وراء سفر الحج، وإنما المحروم من حرم ثوابه، فخذلهم الله حيث لم يوفقوا للسوجود عند البيت العتيق، وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لايقصرون، ولعل قلوبهم منكرة في ذلك أو أعمى الله أفئدتهم وأبصارهم، وكفانا من ردّ ضلالاتهم أنهم بعملهم هذا كأنهم من غلاة أهل الرفض، حيث رفضوا ما عليه جمهور أهل الإسلام من أصحاب المذاهب الأربعة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شذ شذ في النار» (وأي شذوذ أعظم من هذا، وأي خسران أكبر من خسرانهم) ؟حيث حرموا عن الصلاة خلف أئمة الهدى مع خيار عباده الزائرين القادمين للحج.

التحذير عن ضرار المسلمين في الدين:
قد بوّب الإمام البخاري في صحيحه: "باب ترك الاختيار مخافة الضرر على الناس"، و أورد فيه ترك النبي صلى الله عليه وسلم بناء الكعبة على حالها خشية الضرار على المسلمين، ومن هذا الباب صلاة ابن مسعود خلف عثمان تماماً بمكّة مع قوله: ليت لي من أربع ركعتان مستقلتان، وهذا يدلّ على أن أصل السنة عنده في سفر هو القصر، فقيل له في ذلك، فقال: الاختلاف أشد ضرراً على الناس، فخاف الافتراق، ففي الحرم لابدّ من الاجتناب عما يفضي إلى الشقاق لاسيّما في المجتهدات، فكل يعمل على شاكلته وربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً، ومع هذا فهؤلاء الواعظون من أهل الظاهر غير المقلدين يجاهرون في المواعظ بالذكر مجتهدات الخلافية في الحرم ردّاً على مذهب الحنفية وإيقاعاً للعوام في الفتنة بذكر بعض الروايات المخالفة لمذهبهم، والعوام لعدم علمهم بمذهبهم يظنونه علماء فيعملون بحسب ماسمعوه، فيقعون في الجنايات حسب مذهبهم مثلاً قولهم: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن تقديم الحلق على الذبح، فقال: «افعل ولاحرج» مع أنه قد صح عندنا ما يخالفه عن ابن عباس رضي الله عنهما من وجوب الدم في ذلك، رواها الحافظ ابن حجر في الفتح، بل يشير إليه قوله تعالى: (ثُمَّ لِيَقْضُوْا تَفَثَهُمْ) وهذا هو الحلق أو القصر وفي لفظ (ثُمَّ) في الآية دلالة على الترتيب الواجب كما هو الظاهر(وتمام الكلام في محله)، إنما المقصود هنا أن معاشرالحنفية يعملون في ذلك بما ثبت عندهم من سنن سيد المرسلين، فإن كان عند هؤلاء سنة مروية فعندنا مثلها نتديّن به فالاختلاف كاختلاف الصحابة فيما بينهم في السنن، فمابال هؤلاء الذين يخطبون في الحرم الشريف ينادون علينا بالويل والثبور كان الحرم لهم خاصة.

وقد مر في الدعوة إلى الفجعة بعد سنة الفجر منهم من ذكر بعض الأحاديث القولية ولم يصح كما مر، ففي كتب الأحاديث أحاديث منها صحيحة ومنها ضعيفة ومنها حسن ومنها معلولة ومنها موضوعة، فالقراءة عند العامة لابد أن يكون مقرونا ببيان مراتب الحديث، وبيان مذاهب الصحابة في ذلك كما في سنن الترمذي يضع بابا للحجازيين فيذكرون جانبا حسب اختيارهم، فيقع العوام في الخبط، وذلك إنما يليق بهم في مجالسهم أمام العرب الحنبليين دون مواعظ الحرم الشريف مركز المسلمين، سواء العاكف فيه والباد، كيف وللناس فيما يعشقون مذاهب، وإلى الله المشتكى، ونعوذ بالله من سوء الطباع.

تفصيل بعض ما أجمل والعلم كله خير:
قد مر أن هؤلاء الواعظين في الحرم الشريف ينادون ليلاً ونهاراً بجواز النافلة في أي وقت شاء المصلي متمسكين ببعض الأخبار، أحدها ما رواه الدار قطني بإسناد عبد الله بن مؤمل المخزومي عن حميد مولى عفراء عن قيس بن سعيد عن مجاهد قال: قدم أبوذر فأخذ بعُضادتي الباب ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لايصل أحدكم بعد الصبح إلى طلوع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب إلابمكة ثلثا» وبذلك يقع العوام في الخبط زاعمين أن ذلك هو حق المقام، وذلك مما لم يبلغه علمهم. فأردنا كشف الغطاء عن الحديث وقد مر بعض البيان، قال الشيخ الحافظ جمال الدين الزيلعي المتوفّى 762هـ في "نصب الراية" (254/1): هو حديث ضعيف، قال أحمد: أحاديث مؤمل (راوي الحديث) مناكير، قال ابن دقيق العيد: هو ضعيف الأحاديث، وقال البيهقي وحميد الأعرج (راوي الحديث): ليس بالقوي، ومجاهد (راوي الحديث): لم يثبت له السماع عن أبي ذر، وقوله: جاءنا أي: بلدنا، قال البيهقي: حديث أبي ذر هذا معلول بأربعة أوجه: أحدها: انقطاع مابين مجاهد و أبي ذر، والثاني: اختلاف في إسناده (قد بينه الزيلعي فارجع)، والثالث: ضعف ابن مؤمل، الرابع: ضعف حميد وهو ليس بقوي، قال أبو عمرو بن عبد البر: هو ضعيف. انتهى مختصراً. هذا حديث الاستثناء، وقد علمت حاله، وقد يستدل بحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يابني عبد مناف لاتمنعوا أحداً يطوف بهذا البيت ويصلي، فإنه لاصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولابعد العصر حتى تغرب إلا عند هذا البيت» أخرجه الدار قطني عن أبي الوليد العدني عن رجاء أبي سعيد عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما. قال في نصب الراية(254/1): قال صاحب التنقيح: أبو الوليد العدني لم أر له ذكراً في الكُنى لأبي أحمد الحاكم.

أحاديث الحنفية في هذا الباب:
منها: حديث ابن عباس أخرجه البخاري ومسلم بل الستة في كتبهم أنه قال: شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد الصر حتى تغرب. وهذا عام في الأمكنة وأحاديث التخصيص كما علمت لاتساويه في الصحة فلا تقاومه.

والتخصيص رفع الحكم الثابت، وذلك إنما يصح إذا كان المخصص صحيحاً مساويا أو أقوى، والضعيف أضعف حالاً، ولنا أيضاً حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أخرجهما صاحبا الصحيحين هذا هو المرموز فيما مر. الرابع: حديث عمر ابن عبسة أخرجه مسلم بلفظ: «إذا طلعت فلا تصل حتى ترتفع، لأنها تطلع بين قرني الشمس، وحينئذ يسجد لها الكفار»....... وأنت خبير بأن تعليل المنع بالاحتراز عن مشابهة الكفار ينافي تخصيص الحكم ظاهرا، فالصحيح المتفق عليه أولى بالقبول لاسيما وقد فهم العموم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فروى إسحاق بن راهويه في مسنده بإسناده أن مُعاذاً طاف بعد الفجر والعصر فسئل عن ذلك، فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب، رواه في نصب الراية للزيلعي، ونحوه ما في الترمذي عن عمر أنه طاف بعد صلاة الصبح فلم يصل وخرج من مكة حتى نزل بذي طوى فصلى بعد ما طلعت الشمس، قال: وهو قول سفيان الثورى ومالك بن أنس....... قال في نصب الراية (252/1): اعلم: أن ركعتي الطواف داخلتان في المسألة، فكرهها أصحابنا في الأوقات الخمسة المتقدمة وخالفنا الشافعي، فأجازها فيها أخذاً بما أخرج أصحاب السنن من حديث جبير بن مطعم .....

أقول مستعيناً بالله العظيم: العجب من صنيع هؤلاء المنكرين على الحنفية الدافعين لعموم الصحاح المروية في الباب بالضعاف من روايات السنن كيف أصروا على بقاء العموم بحاله في قوله عليه السلام: «لاصلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» مع صحة حديث التخصيص برواية مسلم صاحب الصحيح من حديث أبي موسى الأشعري برواية سليمان التيمي: «إذا كبّر الإمام فكبّروا وإذا قرأ فانصتوا»، وهذا يدل على أن العموم فيما سوى المأموم، وقد اعترف الحافظ ابن حجر بصحة هذا التخصيص، وأخرجه في الصحيح لمسلم بن حجاج، ونحوه قول المفسر الكبير ابن الكثير فنقول: لوكان الحديث الضعيف المعلول بأربعة أوجه كما مر عن البيهقي كتخصيص هؤلاء الصحاح المرويين حديث الصلاة بمكة ضعيف كما عرفت، فلا يقاوم الصحيح والوارد في الباب من العموم على حاله، وأما المخصص في مسألة القراءة خلف الإمام فصحيح مخرج في الصحيح فيفيد التخصيص.

وإذا عرفت هذا علمتَ أن الإنكار على هؤلاء واجب والإغماض مداهنة في الدين، ولذارفعنا أمره إلى المسؤولين عظماء الحرمين الشريفين لسد أبواب الفتنة وهذا من حقوق العامة.

الحذار والانتباه:
لقد أوقد عمل هؤلاء الواعظين المتعصبين للمذاهب الأربعة ـ حقاً ـ نار سوء الظن والعدواة ضد المملكة العربية السعودية ومسؤوليها سياسيا وفكريا في العالم الإسلامي، فعليهم أن يسدوا أمام هذا السبيل بعزلهم عن مناصبهم أو تنبيههم عما هم عليه من إثارة الفتن فيما بين المسلمين قبل أن يؤدي ذلك إلى النتائج الكارثة نظراً إلى الأحوال والظروف التي يمر بها العالم الإسلامي حالياً من تخطيطات أعداء الإسلام والمسلمين، ونقدم إلى سماحتكم الترشيحات التالية مما يمكن المساعدة بها في إقلاع الفساد والفتن و توحيد كلمة المسلمين، وهي:
1 ـ أن تقدموا القضية إلى المجمع الفقه الإسلامي الذي يضم الأعضاء من سائر بلاد المسلمين ومن جميع المذاهب المعتبرة لدى أهل السنة والجماعة.
2 ـ أن تدعوا العلماء البارعين للبحث والمناقشة حتى يتفصحوا في المسائل الخلافية الفرعية بحيث تتحد كلمة المسلمين عملاً وفكراً مهما أمكن.
3 ـ وانشروا موقفكم من التقليد المطلق والتقليد الشخصي والمسائل الفرعية مع توقيعات أئمة الحرمين وغيرهم من العلماء الكبار.
4 ـ هل يستحق كل واحد من عامة الناس أن يفصل الحكم في المسائل الخلافية أم لابد له من شخص ذي صلاحية وصفات خاصة؟
5 ـ ولينشر بعد البحث والمناقشة في مثل هذه المسائل قرار متفق عليه لينسد باب المباحث التي لامعنى لها.

والسلام مع الدعوات الصالحة.

English
اردو

الرئيسية
من نحن؟
عن الجامعة
الفاروق
القرآن الكريم
المكتبة
المواقع المنتخبة

This site is developed under the guidance of eminent Ulamaa of Islam. 
Suggestions, comments and queries are welcomed at info@farooqia.com
الرئيسية  |  من نحن؟  |  عن الجامعة  |  الفاروق  |  القرآن الكريم  |  المكتبة  |  المواقع المنتخبة
No Copyright Notice.
All the material appearing on this web site can be freely distributed for non-commercial purposes. However, acknowledgement will be appreciated.