Jamia Farooqia - International Islamic University


وأما الزبد فيذهب جفاءً

سماحة الشيخ عبيدالله خالد المحترم

منذ خَلقَ الله عزّوجل الكون ودبّر شؤونه بدأ نقاش الحق والباطل، في جانب أبونا آدم عليه السلام، وفي جانب آخر الشيطان بمقابلته، وقد كانا الحزبين الأولين للحق والباطل، فالحق يبتغي رضا الله تعالى، والباطل يرتضي بتشفية غليل صدره بتكميل أمانيه، لواء الحق حامله آدم عليه السلام، وراية الباطل رافعها الشيطان، وقد اشتبكا منذ خلق الله الكون ويبقى هذا النقاش إلى قيام الساعة.

إذا قلّبنا أوراق التاريخ عن الماضي فيترائ لنا في بادئ النظر أن الباطل يعلو، والحق وأهله يُغلبون، وسببه الرئيسي هو اختلاف معايير أهل الحق والباطل، فالشيء الذي عند الباطل محمود ومطلوب، فهو عند أهل الحق مذموم ومردود، وثانياً: ليس لأهل الباطل ميزاناً لعملهم وبمقابلتهم أهل الحق مقيدون بحدود الله، وهذا ـ في الحقيقة ـ ابتلاء أهل الحق لأنهم يريدون أن يتوسّموا بآيات الله ويستنيروا بنور الله، يرضى الباطل بترويج أمانيه، فلها يدبّرون، وبها يستمسكون، وإياها يُنفّذون، أما أهل الحق فمرضات الله يتبغون، ولها يسعون، وتدبير الله يُؤثرون، وهذا ابتلاء أهل الحق يمتحن الله به قلوبهم بأن لايتجاوزوا حدود الله بمقابلة أهل الباطل.

فلذا يُرى في أوائل الأمر أن الباطل يستكبر ويعلو على الحق وأهله، ولكنّ الحقيقة تنكره، وينجلي الأمر أنّ نجاح الباطل في مكائدهم وفَوزهم كانت طارئا غير ثابت، والفتح والنصر للحق وأهله حتميّاً كما قال الله جلّ في علاه: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) [الرعد:17].

من العجب العُجاب مداولةُ أيام الباطل ودور غلبة الحق لهم وعليهم، وقد يَعُدّ الباطل وأهله غلبتهم الطارئة فتحاً حتمياً مستمراً دائماً، ويستحسنون مكائدهم، وفي جانب آخر أهل الحق يعُدّون أنفسهم كلاً على الأرض بهزيمتهم الطارئة، وتضيق عليهم الأرض برحبها، وهذه الحالة تقوم كسدٍّ منيع بين الحق والباطل، فيستمرّ الباطل في طغيانه ويتمادى، ويُتاح الفرص لأهل الحق للإنابة إلى الله، فينتصرون بعد الفشل، ويرتفعون بعد الزوال، فيصدق فيهم قول الله عزوجل: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [أل عمران:54]. فكلام الله ينبّه أهل الباطل ويرهبهم كما هو يبشّر أهل الحق ويرغبهم، ويوصيهم بالصبر ويلقّنهم بالطاعة، ويسلّيهم أن هذه الأوضاع طارئة، والله سبحانه وتعالى يمهّل الكفرة ويردّ عليهم مكائدهم إذا بلغ الكتاب أجله، لأن قدرة الله وتصرّفه فوق قُدرات الباطل بكثير، ولكن الله عزوجل لايؤاخذهم بما كسبوا على فورهم بل يمهّلهم ويعفو عن كثير، لأنه يريد الاستتابة من عباده ليتوب عليهم ويرحمهم.

نعم هناك شرذمة من أهل الباطل تعبد أمانيها ولا تعبد الله ولاتؤمن به، ولاتخضع لأمر الله، فيأتي عليها موعد ـ على علم الله ـ فيأخذهم ـ وبطشه شديد ـ فيعذّبهم في الدنيا إفراداً أو جماعياً ويخزيهم في الآخرة، فالله نسأل أن يهدينا على سبيل من آمن به وصدق رسوله، وانتهج منهجه، وسلك مسلكه، ولاتجعلنا من الذين ضلوا وأضلوا فنزل بهم سخطه ورجزه، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين.

English
اردو

الرئيسية
من نحن؟
عن الجامعة
الفاروق
القرآن الكريم
المكتبة
المواقع المنتخبة

This site is developed under the guidance of eminent Ulamaa of Islam. 
Suggestions, comments and queries are welcomed at info@farooqia.com
الرئيسية  |  من نحن؟  |  عن الجامعة  |  الفاروق  |  القرآن الكريم  |  المكتبة  |  المواقع المنتخبة
No Copyright Notice.
All the material appearing on this web site can be freely distributed for non-commercial purposes. However, acknowledgement will be appreciated.