Jamia Farooqia - International Islamic University


وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ

بقلم: عصمت الله نظاماني
الدارس في الصف الخامس، بجامعة دار العلوم الإسلامية، هالا، السند

الحمد لله رب العالمين القائل في كلامه المبين لسيد الأنبياء و المرسلين: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الحج:107]، و الصلاة و السلام على خير الأنام الذي نزل عليه القرآن و بعث إلى كافة الإنس والجان، و جعل رحمة لسائر الأكوان، وعلى آله وأصحابه أجمعين الذين فاقت فضائلهم على العدّ و الإحصاء، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

قال الله تعالى في القرآن المجيد: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)أيها القاري! طالما تفكّرت في هذه الآية لِألتقط فرائدها، وكثيراً ما تدّبرت فيها على حسب ما أمر الله أن يتدبر لآخذ فوائدها، فلاح لي أثناء تقليبي الأوراق لبغيتي النكت اللطيفة، و بدا لي عبر مطالعتي صفحات الكتب، لها أبحاث لم أكن أعرفها قبل، فقصدت أن أبرز تلك المضامين المكنونة و المباحث المقصورة في أستار هذه الآية كي ينجلي كون نبينا صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين مع ظهوره ويحصص الحق على المحبين و المعاندين.

ها أنا أعود إلى منيتي و أقول : يا أخي الكريم! لو نوقع أنظارنا على ما كان عليه الناس من الأحوال قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم و نرسل أشعة أعيننا إلى نفوس الناس، ـ عرب العرباء كانوا أم الأعاجم ـ و إلى بيئاتهم وأقوالهم وأعمالهم وأفكارهم و إلى كل ما يتعلق بهم قبل بعثة النبيصلى الله عليه وسلم، لنجدهم نسناساً لا ناساً و ما أدراك ما النسناس؟ النسناس كما قال ابن عباس رضى الله عنهماحين سئل ما النسناس؟ عند ما قال: ذهب الناس بقي النسناس، فأجاب: الذين يتشبّهون بالناس و ليس بالناس، ولننالهم قوالب الإنسان دون روح الإنسان، كانوا مثل الدواب بل أسفل منها، لا سليقة لهم في العيش، و لا طريقة لهم في المعاملات و يغلبون حب البنين على البنات، و يرجحون موتهن على الحياة، ويعبدون الآلهة من دون الله الذي خلق الأرضين و السماوا ت، فلذا شاعت الظلم و الظلمات، و يعدون أنفسهم حمراً للسادات و يعلمون لهم لتوفير اللذات مثل العجماوا ت، أما رؤسآء الأديان والأحبار فكانوا ينشئون سحب الأوهام على أذهانهم و يسلبون أغطية الخرافات على عقولهم، لكن الناس كانوا يرومون سلب الأموال و قتل أولادهم لخشية الأملاق، و يتوقون إلى المعامع الباهضة و الحروب الداهمة، فآ وى الناس إلى مذاهب شتّى و مسالك متعددة من الوثنية و الدهرية و الزندقة فأصبحوا عبيداً أذلاء حيارى في جهالة عمياء، و بلغوا في سخافة العقل و ضلالة العمل حداً لم يكن تحته حد، أفلم يكن من رحمة الله الذي وسعت رحمته على غضبه بأولئك الناس أن يرسل إليهم رجلاً يُخرجهم من الظلمات إلى النور و من البهيمة إلى البشرية،يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويُعلّمهم الكتاب والحكمة ويُعلّمهم ما لم يكونوا يعلمون، نعم كان ذلك، و لله الأمر من قبل و من بعد فجاءنا نبينا صلى الله عليه وسلم مبعوثاً من الله إلى العباد رحمةً للعالمين لا لفرد من الأفراد. و ذلك يظهر بتدبر سيرته من حين ولد إلى أن بُعث إلى أن ارتحل صلى الله عليه وسلم من العاجل إلى الآجل و أتى النبيصلى الله عليه وسلم بدينٍ، السيئة فيه خير من الحسنة في غيره لأن السيئة فيه تُغفر و الحسنة في غيره لا تقبل. فجعل المنغمسين في اللذات الدنيوية عن الشهوات، وينبه بوعظه عبيد العادات و أُسراء الديدنات ليعتقوا أرواحهم عن هذه القيودات و يجعلوا السلاسل و الأغلال التي كانوا معقودين بها عن سائر الأعضاء. و يرشدهم بالحجج الواضحة و البراهين القاطعة إلى معرفة خالقهم بعقولهم وأفكارهم بدون واسطة أحد من العباد إلا من خصّه الله تعالى بالوحي ويدعو الناس كافةً إلى الاستعداد في هذه الحياة لما سيجزون به و يلاقونه فى الحياة الأخرى، و بيّن لهم أن خير الزاد الذي يتزود به الإنسان هو زاد التقوى، وأن الجنة مأوى لمن خاف مقام ربه و نهى الناس عن الهوى، وكوّن لهم النظام الاجمتاعي وأخبرهم: إنما المؤمنون إخوة، وأن المسلم أخو المسلم، و أن كل المسلم على المسلم حرام دمه و ماله و عرضه. أليست هذه الدلائل التي لا ريب فيها على كونهصلى الله عليه وسلم رحمة للعا لِين، و جعلصلى الله عليه وسلم قُطّاع الطريق حراساً للناس، والسرقة مراقبين على الأموال، وعبيد الأوثان والأصنام عابدي الله بل العباد. نهض صلى الله عليه وسلم لإرشاد الأمم و كفالته لهم كشف الغمم بل إحياء الرمم.

قام بهذه الدعوة العظمى و حده، وغيّر القرائح الخبيثة إلى القرائح الطيبة، فبدّلت به الأرض الإنسانية غير الأرض، فأيّ برهان أعظم على كونه صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين من هذا؟ هل بقي ريب ليرتاب فيه المرتاب؟ أم شك ليخطر على قلب أحد شيء؟ كلا إن هي إلا العناد. فظهر كل الظهور إن الأرض ـ خاصةً أرض العرب ـ التي كانت مملوءة من عبادة الأوثان و من أخبار الكُهّان وطاعة المخلوق في الكفر بالخالق و سفك الدماء المحرمة وقطيعة الأرحام وأهلها لا يعرفون آخرةً ولامعاداً، و صاروا أعلم أهل الأرض و أدينهم و أعدلهم وأفضلهم حتّى أن النصارى لما رأوهم حين قدموا الشام قالوا: ما كان الذين أصبحوا المسيح بأفضل من هؤلاء.

و الحاصل أن جميع ما في العالمين يدلّ على كونه صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين، وأنه صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين بالبداهة و البدية لايحتاج إلى الدلائل.
        يارب صلّ وسلّم دائماً أبداً
        على حبيبك خير الخلق كلّهم

English
اردو

الرئيسية
من نحن؟
عن الجامعة
الفاروق
القرآن الكريم
المكتبة
المواقع المنتخبة

This site is developed under the guidance of eminent Ulamaa of Islam. 
Suggestions, comments and queries are welcomed at info@farooqia.com
الرئيسية  |  من نحن؟  |  عن الجامعة  |  الفاروق  |  القرآن الكريم  |  المكتبة  |  المواقع المنتخبة
No Copyright Notice.
All the material appearing on this web site can be freely distributed for non-commercial purposes. However, acknowledgement will be appreciated.