Jamia Farooqia - International Islamic University


التغـريبُ .. مفهومًا وواقِعًا

د. فريد محمد

ومما لاشك فيه أن للتغريب تجلياتٍ وآثارًا متعددة ومختلفة؛ منها ما يتصل بالفرد، ومنها ما يتصل بالمجتمع الإسلامي، ويجب أن نذكّر هاهنا بأن تغريب الفرد واستلاب ثقافته وهويته يعد الخطوة الأولى في سبيل تغريب واستلاب ثقافة المجتمع ككل، فالتغريب الثقافي والحضاري يتسلط ـ بداءةً ـ على الفرد، حتى إذا ما تمكَّن من نفسه، وانتشرت آثارُه على نطاق أوسع في مجتمع إسلامي، فإنه يتحول إلى ظاهرة اجتماعية علاوة على كونه ظاهرة فردية، وفيما يلي سنبرز بعض مظاهر وآثار التغريب إنْ على مستوى الفرد أو على مستوى المجتمع الإسلامي:

أ-بعض مظاهر وآثار التغريب الثقافي على مستوى الفرد المسلم: إن الفرد المسلم الذي تمكن منه التغريب تظهر عليه جملة من الأوصاف والأمَارَات. فهو دائم التعلق بما في الثقافة الأجنبية الغازية له من نُظم وأفكار وعوائد وأنماط سلوكية، ويحاول جاهدًا تطبيقها في حياته الخاصة، ثم إن هذا الفرد لا يجد في نفسه أي حرج من محاكاة الغرب، والانصهار الكامل في بُوتَقَـته المسمومة، والأخْذ بما يُمليه حرْفيًّا. وبالمقابل، نجد هذا الفرد يتحامل على التراث الإسلامي بالرغم مما يختزنه من قيم سامية، وبذور حقيقية للإقلاع والتنمية، وهكذا نرى عددًا من أبناء الأمة الإسلامية يدْعون إلى الانفصام عن الماضي الإسلامي والالتحاق بالغرب، ويعد سلامة موسى من أخْطر هؤلاء، حيث يقول في كتابه «اليوم والغد»:

«يجب علينا أن نخرج من آسيا وأن نلحق بأوروبا، فإني كلما ازدادت معرفتي بالشرق زادت كراهيتي له، وشعوري بأنه غريب عني، وكلما زادت معرفتي بأوروبا زاد حبي لها وتعلقي بها وزاد شعوري بأنها مني وأنا منها».

ويقول أيضًا أدونيس (علي أحمد سعيد):

«لسْنا من الماضي.. الإنسان عندنا مَلجومٌ بالماضي، نعلِّمه أن يكسر اللجام ويجْمح، نعلمه أنه ليس حُزمة من الأفكار والمصنفات والأوقات يسمونها تراثا»..!

إن الفرد المسلم الذي غُرِّب فتَغَرَّب لا يولي أي اهتمام لمشكلات مجتمعه وأمته، بل إنه يشكل، في حد ذاته، مِعْوَل هدْم يعمل من داخل الجسم الإسلامي لتخريبه وإضْعافه.

هذه بعض الآثار التغريبية التي تتبدّى على مَنْ بهرتْهم الحضارة الغربية بشكلياتها الزائفة؛ فسلبت عقولهم، واستولت على عواطفهم، وأصبحوا يتنكرون لثقافتهم الإسلامية الأصيلة، ويجتهدون في تمثل مظاهر الثقافة الغازية، وقد كان معظم هؤلاء المتغرِّبين أو المستََلَبـين ثقافيًّا ممَّن عاشوا في ظل الاستعمار ردحَّا غير يسير من الزمن وتربّوا في مدارسه أو مدارس الإرساليات التبشيرية أو درسوا في الديار الغربية.

ب-بعض مظاهر وآثار التغريب على مستوى المجتمع الإسلامي ككل: لا يجد المجتمع الإسلامي الذي امتدت إليه أيدي التغريب غضاضة في تقليد الغرب، واتّباعه في النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ولا يتردد في الأخذ بالتيار العََلماني ونتائج الأبحاث الاستـشراقية عن العقيدة الإسلامية واللغة العربية الفصحى التي تعد الوعاء الحامل لهذه العقيدة.

الملاحظُ في عدد من المجتمعات الإسلامية انتشارُ المجلات والأشرطة الهابطة، والأغاني الساقطة، والصور الخليعة، والكتب التي تحمل في صفحاتها أفكارا هدّامة لكيان المجتمع الإسلامي، وذلك تحت ستار الحرية الشخصية، وتمثل هذه المظاهر التغريبية وسائل خطيرة في تشويه القيم الإسلامية، وطمْس هُوية المسلمين فرادى وجماعاتٍ.

وتسمح مجموعة من دول العالم الإسلامي ـ بدعوى الانفتاح ـ بإنشاء المدارس والمعاهد الأجنبية، وانتشار الحركات التبشيرية فوق أراضيها، وفي ذلك فرصة سانحة لبَثّ سمومها الفتاكة، ونشر تُرَّهاتها وتلفـيقاتها، ومن العجب العُجاب أن هذه المعاهد تعمل بحرية تامة، وتوفَّر لها الحصانة القانونية الكاملة، ويتخرَّج منها أناسٌ كُثرٌ تُفتح أمامهم فرص التشغيل وغيرها.

إن المظاهر آنفة الذكر كلَّها تسهم في ضعف الثقة بكل ما هو وطني وإسلامي من نظم واقتصاد وأدب وفن، وتدفع بالمجتمع الإسلامي دفعًا إلى اقتفاء سَمْت الغرب وتقليده تقليدًا أعمى في كل الأمور، بدْءًا من أتْفَهها وانتهاءً بأخْطرها، وتجدر الإشارة هنا إلى أن درجة التغريب والتغرُّب تختلف من مجتمع إسلامي لآخر، فهناك مجتمعات أنْهَكها التغريب، وهناك أخرى لما يزال التغريب فيها محدودًا.

إن الغزو الفكري الغربي الحديث الذي يستهدف تكسير شوكة المسلمين، وتشويه هويتهم، وعزْلهم عن ماضيهم وميراثهم الحضاري، وتغريبهم عن عقيدتهم ولغتهم، لم يترك وسيلة إلا استخدمها لتحقيق مآربه، ولم يترك جهة لمس فيها الاستعداد للتعاون معه إلا تعاوَن معها وربط نفسه بها، وقد كان في طليعة هذه الجهات التي تعاونت مع المستعمر الغربي، وربطت أهدافها بأهدافه «الصهيونية العالمية» التي برزت بوصفها حركة سياسية عنصرية تتغيى بسْط النفوذ على العالم بأسره بشتى الطرق والوسائل، وقد حققت جملة من المكتسبات في الواقع الملموس، أبرزها الحصول على وطن قومي لليهود في أرض فِلَسْطين المباركة.

ومن جهة أخرى، شكلت العلمانية «إحدى الوسائل الخطيرة التي مهّدت الطريقَ لحركة التغريب التي مسَّت نواحيَ مختلفة» (9).

وبناءً على ما سبق، كان من الطبيعي أن تعرف المجتمعات المتغرِّبة حالات من الفوضى والتطرُّف العام، لذا، يربط بعض الباحثين بين الغلو والتغريب، يقول طارق البِشْري مثلًا: «يبدو لي أن الغلو سيبقى، بدرجات شتى وأشكال متنوعة وعلى فترات ممتدة أو متقطعة، ما بَقيت هيمنة التغريب، ولن يضعف إلا بضعْـفها» (10).

إن التغريب أخطرُ من الغزو العسكري؛ ذلك لأن الاستعمار العسكري حدَثٌ وقتي لحْظي يتسلط على أمة من الأمم ردحًا من الزمن ـ قد يطول وقد يقصُر ـ ثم يذهب وتعود تلك الأمة إلى وضْعها الطبيعي وثقافتها الأصلية وحُرياتها التامة، وربَّما بصورة أقوى وأحسن من السابق، وربما كان ذلك التحدي عاملًا من عوامل الإبداع والتفوق والتقدم نحو الأمام. أما التغريب فهو أخطر من ذلك بكثير، لأنه يضرب الأمة في موطن قوتها وبؤرة حياتها، ويقتل فيها روح المبادرة والثورة، ويهجم على ثوابتها التي لا غنى عنها في وجودها، إنه بكلمة مختصرة «احتلال العقل والنفـس» (11).

انطلاقًا من حديثنا عن حقيقة التغريب، وعوامله، ومظاهره، وآثاره، وميكانيزماته.. تبيّن لنا أن التغريب تيارٌ فتّاكٌ يتخذ من التخريب شعارًا له، وأنه تحَدٍّ خطير يُجابِه الأمة الإسلامية في اللحظة الحضارية الآنية بقوة، وهنا يحق لنا أن نتساءل: كيف واجه المسلمون التغريب الثقافي والحضاري؟

مما لاريبَ فيه أن أبناء الأمة الإسلامية تجنَّدوا لإبْطال مفعول سُمّ التغريب؛ فقاموا بردود فعل قوية وملموسة، وهكذا «ظهرت الحركة الإسلامية مع هيمنة التغريب، وتصاعدت مع تصاعُده، وهي تعتو مع عُتـوِّه» (12). كما نشطت حركة التعريب، واتسع نطاقها لتشمل عدة ميادين حيوية، واصطبغت بأصْباغ جديدة تماشيًّا مع واقع التغريب، بحيث «لم يعُدِ التعريبُ في حياتنا المعاصرة مجردَ هدف ثقافي، وإنما أصبح هدفا حضاريًّا شاملا، ينطوي على جوانب سياسية وقومية لا تقل أهمية عن جوانبه الثقافية» (13)، ولم يقف الشعراء الإسلاميون مكتوفي الأيدي إزاء موجة التغريب التي اكتسحت العالم الإسلامي منذ القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وإنما وظفوا أشعارهم واتخذوها أسلحة فعَّالة لمجاهدة التغريب... إلخ.

الهوامش:

9- محمد مصطفى هدارة: التغريب وأثره في الشعر العربي الحديث، ص8، بتصرف.
10- طارق البشري: سيبقى الغلـو ما بقي التغريب، مجلة «العربي»، ع.278، يناير 1982، ص61.
11- شلتاغ عبود: في المصطلح الثقافي والتغريب، مجلة «آفاق الثقافة والتراث»، ع.33، س.9، أبريل 2001، ص54.
12- طارق البشري: سيبقى الغلو ما بقي التغريب، ص61.
13- فؤاد زكريا: ثقافتنا المعاصرة بين التعريب والتغريب، مجلة «العربي»، ع.302، يناير 1984، ص35.

English
اردو

الرئيسية
من نحن؟
عن الجامعة
الفاروق
القرآن الكريم
المكتبة
المواقع المنتخبة

This site is developed under the guidance of eminent Ulamaa of Islam. 
Suggestions, comments and queries are welcomed at info@farooqia.com
الرئيسية  |  من نحن؟  |  عن الجامعة  |  الفاروق  |  القرآن الكريم  |  المكتبة  |  المواقع المنتخبة
No Copyright Notice.
All the material appearing on this web site can be freely distributed for non-commercial purposes. However, acknowledgement will be appreciated.